الغزالي
42
المستصفى
خبرا عنه فيصدق ، فيلزم من ذلك بالضرورة التصديق بنسبة الحكم إلى المحكوم عليه . بيانه أنا إذا قلنا للعقل احكم على النبيذ بالحرام ، فيقول : لا أدري ولم يصدق به ، فعلمنا أنه ليس يلتقي في الذهن طرفا هذه القضية وهو الحرام والنبيذ ، فلا بد أن يطلب واسطة ربما صدق العقل بوجودها في النبيذ ، وصدق بوجود وصف الحرام لتلك الواسطة ، فيلزمه التصديق بالمطلوب ، فيقال : هل النبيذ مسكر ؟ فيقول : نعم إذا كان قد علم ذلك بالتجربة ، فيقال : وهل المسكر حرام ؟ فيقول : نعم ، إذا كان قد حصل ذلك بالسماع وهو المدرك بالسمع قلنا : فإن صدقت بهاتين المقدمتين لزمك التصديق بالثالث لا محالة ، وهو أن النبيذ حرام بالضرورة ، فيلزمه أن يصدق بذلك ويذعن للتصديق به ، فإن قلت : فهذه القضية ليست خارجة عن القضيتين وليست زائدة عليهما فاعلم أن ما توهمت حق من وجه وغلط من وجه ، أما الغلط فهو أن هذه قضية ثالثة ، لان قولك : النبيذ حرام ، غير قولك : النبيذ مسكر ، وغير قولك : المسكر حرام ، بل هذه ثلاث مقدمات مختلفات ، وليس فيها تكرير أصلا بل النتيجة اللازمة غير المقدمات الملتزمة ، وأما وجه كونه حقا فهو أن قولك : المسكر حرام شمل بعمومه النبيذ الذي هو أحد المسكرات ، فقولك : النبيذ حرام ينطوي فيه ، لكن بالقوة لا بالفعل وقد يحضر العام في الذهن ولا يحضر الخاص ، فمن قال : الجسم متحيز ربما لا يخطر بباله ذلك الوقت أن الثعلب متحيز ، بل ربما لا يخطر بباله ذلك الثعلب ، فضلا عن أن يخطر بباله أنه متحيز ، فإذا النتيجة موجودة في إحدى المقدمتين بالقوة القريبة ، والموجود بالقوة القريبة لا يظن أنه موجود بالفعل ، فاعلم أن هذه النتيجة لا تخرج من القوة إلى الفعل بمجرد العلم بالمقدمتين ما لم تحضر المقدمتين في الذهن ، وتخطر ببالك وجه وجود النتيجة في المقدمتين بالقوة ، فإذا تأملت ذلك صارت النتيجة بالفعل ، إذ لا يبعد أن ينظر الناظر إلى بغلة منتفخة البطن فيتوهم أنها حامل ، فيقال له : هل تعلم أن البغلة عاقر لا تحمل ؟ فيقول : نعم ، فيقال : وهل تعلم أن هذه بغلة ؟ فيقول : نعم ، فيقال : كيف توهمت أنها حامل ؟ فيتعجب من توهم نفسه مع علمه بالمقدمتين ، إذ نظمهما أن كل بغلة عاقر ، وهذه بغلة فهي إذا عاقر ، والانتفاخ له أسباب ، فإذا انتفاخها من سبب آخر ، ولما كان السبب الخاص لحصول النتيجة في الذهن التفطن لوجود النتيجة بالقوة في المقدمة أشكل على الضعفاء فلم يعرفوا أن وجه الدليل عين المدلول أو غيره ، فالحق أن المطلوب هو المدلول المستنتج وأنه غير التفطن لوجوده في المقدمتين بالقوة ، ولكن هذا التفطن هو سبب حصوله على سبيل التولد عند المعتزلة ، وعلى سبيل استعداد القلب لحضور المقدمتين مع التفطن لفيضان النتيجة من عند واهب الصور المعقولة الذي هو العقل الفعال عند الفلاسفة ، وعلى سبيل تضمن المقدمات للنتيجة بطريق اللزوم الذي لا بد منه عند أكثر أصحابنا المخالفين للتولد الذي ذكره المعتزلة ، وعلى سبيل حصوله بقدرة الله تعالى عقيب حضور المقدمتين في الذهن ، والتفطن لوجه تضمنهما له بطريق إجراء الله تعالى العادة على وجه يتصور خرقها بأن لا يخلق عقيب تمام النظر عند بعض أصحابنا ، ثم ذلك من غير نسبة له إلى القدرة الحادثة عند بعضهم ، بل بحيث لا تتعلق به قدرة العبد ، وإنما قدرته على إحضار المقدمتين ، ومطالعة